الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

94

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وأخيرا نقرأ في آية أخرى : والذين اهتدوا زادهم هدى ( 1 ) أي أن قطع مقدار من طريق الهداية هو شرط للاستمرار فيه بلطف البارئ عز وجل . نستنتج من ذلك أنه لو لم تكن هناك توبة وإنابة من العبد ، ولا اتباع لأوامر الله ، ولا جهاد في سبيله ولا بذل الجهد وقطع مقدار من طريق الحق ، فإن اللطف الإلهي لا يشمل ذلك العبد ، وسوف لا يمسك البارئ بيده لإيصاله إلى الغرض المطلوب . فهل أن شمول هؤلاء الذين يتحلون بهذه الصفات بالهداية هو أمر عبث ، أو أنه دليل على هدايتهم بالإجبار ؟ من الملاحظ أن آيات القرآن الكريم في هذا المجال واضحة جدا ومعناها ظاهر ، ولكن الذين عجزوا عن الخروج بنتيجة صحيحة من آيات الهداية والضلال ابتلوا بمثل هذا الابتلاء و ( لأنهم لم يشاهدوا الحقيقة فقد ساروا في ظيق الخيال ) . إذن يجب القول بأنهم هم الذين اختاروا لأنفسهم سبيل ( الضلال ) . على أية حال ، فإن المشيئة الإلهية في آيات الهداية والضلال لم تأت عبثا ومن دون أي حكمة ، وإنما تتم بشرائط خاصة ، بحيث تبين تطابق حكمة البارئ عز وجل مع ذلك الأمر . 3 2 - الإتكال على لطف الله يعتبر الإنسان كالقشة الضعيفة في مهب الرياح العاتية التي تهب هنا وهناك في كل لحظة من الزمان ، ويمكن أن تتعلق هذه القشة بورقة أو غصن مكسور تأخذه الرياح أيضا مع تلك القشة الضعيفة ، وترميهما جانبا ، وحتى إذا تمكنت يد الإنسان من الإمساك بشجرة كبيرة فإن الأعاصير والرياح العاتية تقتلع أحيانا تلك الشجرة من جذورها ، أما إذا لجأ الإنسان إلى جبل عظيم فإن أعتى الأعاصير

--> 1 - محمد ، الآية 17 .